الحلقه الثالثــــــة
بناتـــــــــه صلى الله عليه وسلم
كانت ولادة الأنثى فى الجاهلية يوما ً أسودا ً في حياة الوالدين ، بل وفي حياة الأسرة والقبيلة ، لدرجة أن كانت البنت ممكن أن تدفن حية وكانوا يتفننون في تلك الجريمه فمنهم من اذا ولدت له بنت تركها حتى تكون فى السادسه من عمرها ثم يقول لأمها : طيبيها وزينيها حتى أذهب بها أحمائها ، وقد حفر لها بئرا ً في الصحراء فيبلغ بها البئر فيقول لها : انظري فيها ثم يدفعها دفعا ً ويهيل عليها التراب بوحشية وقسوة .
وفي وسط هذا المجتمع الجاهلي خرج الرسول صلى الله عليه وسلم بهذا الدين العظيم الذي أكرم المرأة أُما ً وزوجة ً وبنتا ً وأختا ً وعمة ً ، وقد حظيت البنات بحب رسول الله فقد كان ""إذا دخلت عليه فاطمة ابنته قام إليها فأخذ بيدها فقبلها وأجلسها مجلسه وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها"" . رواه الترمذي وأبو داود والنسائي
ومع محبة النبي صلى الله عليه وسلم لبناته وإكرامه لهن إلا أنه رضي بطلاق ابنتيه أم كلثوم ورقيه صابرا ً محتسبا ً ، من عتبة وعتيبة ابني أبي لهب بعد أن أنزل الله فيه (( تبت يدا أبي لهب))
وروت السيدة عائشة رضي الله عنها : "" كُن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم عنده فأقبلت فاطمة رضي الله عنها تمشي ، ما تخطيء مشيتها من مشية رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئا ً ، فلما رآها رحب بها وقال : "مرحبا ً بابنتي" ثم أجلسها عن يمينه أو شماله .. ""رواه مسلم
ومن عطفه لبناته زيارتهن وتفقد أحوالهن وحل مشاكلهن .. أتت فاطمة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم تشكو إليه ما تلقى في يديها من الرحى وتسأله خادما ً ، فلم تجده ، فذكرت ذلك لعائشة رضي الله عنها ، فلما جاء الرسول صلى الله عليه وسلم أخبرته ، قال علي رضي الله عنه : "فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا ، فذهبنا نقوم ، فقال " مكانكما " فجاء فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري ، فقال : " ألا أدلكما على ماهو خير ٌ لكما من خادم ؟ إذا أويتما إلى فراشكما ، أو أخذتما مضاجعكما ، فكبرا أربعا ً وثلاثين ، وسبحا ثلاثا ً وثلاثين ، واحمدا ثلاثا ً وثلاثين ، فهذا خير لكما من خادم"". رواه البخاري.
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم أسوة ً حسنة في صبره وعدم جزعه فقد توفي جميع أبنائه وبناته في حياته – عدا فاطمة رضي الله عنها – ومع هذا فلم يلطم خدا ً ولم يشق ثوبا ً ولم يُقيم المآدب ، وسرداقات التعزيه ، بل كان عليه الصلاة والسلام صابرا ً محتسبا ً راضيا ً بقضاء الله وقدره .
وقد عهد إلينا بوصية عظيمة وأحاديث جليلة هي سلوة للمحزون وتنفيس للمكروب . منها قوله صلى الله عليه وسلم : "" إنا لله وإن إليه راجعون ، اللهم أجرني في مصيبتي ، واخلف لي خيرا ً منها ، إلا أخلف الله له خيرا ً منها "" رواه مسلم
وقد جعل الله عز وجل كلمات الاسترجاع وهي قول المصائب : "إنا لله وإنا إليه راجعون" ملاذا ً وملجأ لذوي المصائب ، واجزل المثوبة للصابرين وبشرهم بثواب من عنده تعالى : (( إنًّمَا يُوَفَّى الصَّبِرُونَ أَجرَهُم بِغَيرِ حِسَابٍ ))

معاملـــــة الزوجـــــة
يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ""الدنيا كلها متاع ، وخير متاع الدنيا الزوجة الصالحة ""صحيح الجامع الصغير.
ومن حُسن خلقه وطيب معشره عليه الصلاة والسلام .. نجده ينادي أم المؤمنين بترخيم اسمها ويخبرها خبرا ً تطير له القلوب والأفئدة !
قالت عائشة رضي الله عنها : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما ً : ""ياعائشة ، هذا جبريل يقرئكِ السلام""متفق عليه
بل هذا نبي الأمة صلى الله عليه وسلم وأكملها خلقا ً وأعظمها منزلة ، يضرب صورا ً رائعة في حسن العشرة ولين الجانب ومعرفة الرغبات العاطفية والنفسية لزوجته ، وينزلها المنزلة التي تحبها كل أنثى امرأة ! لكي تكون محظية عند زوجها !
قالت عائشة رضي الله عنها : ""كنت أشرب وأنا حائض ، فأناوله النبي صلى الله عليه وسلم ، فيضع فاه على موضع في َّ فيشرب ، وأتعرَّق العَرق (أي أخذ ما على العظم من اللحم) فيتناوله ويضع فاه على موضع فيَّ""رواه مسلم.
ولم يكن صلى الله عليه وسلم كما زعم المنافقون واتهمه المستشرقون بتهم زائفة وادعاءات باطلة .. بل ها هو يتلمس أجمل طرق العشرة الزوجية وأسهلها ..
عن عائشة رضي الله عنها : ""أن النبي صلى الله عليه وسلم قبَّل امرأة من نسائه ثم خرج إلى الصلاه ولم يتوضأ""رواه أبو داود والترمذي.
إنظروا معي .. هاهو رسول الله صلى الله عليه وسلم يُجيب على سؤال عمرو بن العاص رضي الله عنه ويُعلمه أن محبة الزوجة لا تُخجل الرجل الناضج السوي القويم !
عن عمرو بن العاص أنه قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الناس أحبُ إليك ؟ قال : " عائشة"متفق عليه
ولمن أراد بعث السعادة الزوجية في حياته عليه أن يتأمل حديث أم المؤمنين رضي الله عنها وكيف كان عليه الصلاة والسلام يفعل معها !
عن عائشة رضي الله عنها قالت : ""كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد""رواه البخاري.
ونبي هذه الأمة صلى الله عليه وسلم لا يترك مناسبة إلا استفاد منها لإدخال السرور على زوجته وإسعادها بكل أمر مباح !
تقول عائشة رضي الله عنها : خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره ، وأنا جارية لم أحمل اللحم ولم أبدن ، فقال للناس : "تقدموا" فتقدموا ثم قال : "تعالي حتى أسابقك" فسابقته فسبقته ، فسكت عني حتى حملت اللحم ، وبدنت وسمنت وخرجت معه في بعض أسفاره فجعل فقال للناس "تقدموا" ثم قال : "تعالي أسابقك" فسبقني ، فجعل يضحك ويقول : "هذه بتلك" "". رواه أحمد.
روى البخاري أنه صلى الله عليه وسلم لما رجع من غزوة خيبر وتزوج صفية بنت حيي رضي الله عنها كان يدير كساءً حول البعير الذي تركبه يسترها به ، ثم يجلس عند بعيره فيضع ركبته فتضع صفية رجلها على ركبته حتى تركب ..
كان هذا المشهد مؤثرا ً يدل على تواضعه صلى الله عليه وسلم .. لقد كان صلى الله عليه وسلم وهو القائد المنتصر والنبي المرسل يُعلم أمته أنه لا ينقص من قدره ومن مكانته أن يوطئ أكنافه لأهله وأن يتواضع لزوجته ، وأن يُعينها ويسعدها .
وأخيرا وليس بأخر ومن وصاياه عليه الصلاة والسلام لأمته : ""ألا واستوصوا بالنساء خيرا ً...""رواه مسلم.

انتظرونا فى الحلقة المقبله إن شاء الله تعالى